السيد كمال الحيدري
85
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
العبادات في رؤيةٍ عرفانيّةٍ وهنا تكمن التصوّرات الخاطئة ، فما إن يطرأ اسم العرفاء إلّا وانقدح في الذهن التفرّغ للتنسّك والعبادة ، مع أنّ الأمر ليس كذلك ، فالعرفاء يطلبون معرفة الله تعالى ، وإنّ العبادة إحدى وسائلهم للوصول ، وإنّ أكثر عبادتهم تكمن في التفكّر والتأمّل ، وحتّى الأوراد التي يعملون بها لا يلحظ فيها العدد بقدر ما يلحظ فيها التفكّر والتأمّل بالمعدود . إنّ العبادة العرفانيّة تعني هجرة الأغيار تماماً ، فمن هجر الأغيار ولم يحضر عنده سوى الديار وربّ الدار فإنّه يكون عابداً عندهم ؛ لأنّه عَبد الله عن معرفةٍ ؛ ولذلك فإنّه لا يهتمّ بطول السجدة بقدر ما يهتمّ بمحصّلتها . فإن حصل له الإذن بدخول عالم المعنى لأوّل وهلةٍ ، كفّ عن السجود واستغرق في تأمّلاته حتّى يأتيه الأمر بالانصراف . ولذلك هم يشترطون على السالك : أن يكون قد أغلق السير الأخلاقيّ ، فلا يقبلون من لازال مستغرقاً في الأمراض المعنويّة ، مثل الكذب والرياء والتكبّر والحسد ، وغير ذلك ، فمثل هذا المريد يكون عالةً عليهم ، وإنّما يلتقطون مَن ظهرت استعداداته وبانت سعادته في الطاعة والتسليم . ولعلّ الكثير يسأل : لماذا لا يأخذ العرفاء الشامخون بأيادي الأمّة ، لماذا هم منكفئون على خواصّ الخواصّ من أتباعهم دون الالتفات إلى الآخرين ؟ والجواب : أنّ هنالك فرقاً كبيراً بين الأخلاقيّ والعارف ، فالأخلاقيّ مهامّه تبدأ قبل مهامّ العارف ، وأكثر الناس لم ينجزوا مهامّهم أخلاقيّاً فكيف تصل بهم النوبة إلى دور العرفاء ؟ لابدّ أن يكون واضحاً أنّ عمل العرفاء يدور في عالم الفكرة ، لا في عالم الحروف والكلمات ، وهنالك من لا يجيد القراءة والكتابة ومع ذلك يتّهم